سيد جميلي
46
غزوات النبي ( ص )
استشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه ، أيخرج إليهم ، أم يمكث في المدينة ؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة ، وأن يتحصنوا بها ، فإن دخلوها ، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، وقد وافقه على هذا الرأي عبد اللّه بن أبي ، وكان هو الرأي السديد ، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ، وأشاروا عليه بالخروج ، وألحوا عليه في ذلك ، وأشار عبد اللّه بن أبي بالمقام في المدينة ، وتابعه على ذلك بعض الصحابة فألح أولئك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنهض ودخل بيته ، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، وقد انثنى عزم أولئك ، وقالوا : أكرهنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الخروج ، فقالوا : يا رسول اللّه ، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين عدوه » . خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ألف من أصحابه ، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رؤيا وهو بالمدينة ، رأى أن في سيفه ثلمة ، ورأى بقرا تذبح ، وأنه أدخل يده في درع حصينة ، فتأوّل الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته ، وتأوّل البقر بنفر من أصحابه يقتلون ، وتأول الدرع بالمدينة « 1 » . فخرج عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة ، حتى إذا صار بالشوط بين المدينة وأحد ، تقاعس وتدابر وانخذل عبد اللّه بن أبي بنحو ثلث العسكر ، وقال : تخالفني وتسمع غيري ، فتبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام ، والد جابر بن عبد اللّه ، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول : تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه ، أو ادفعوا ، قالوا : لو تعلم أنكم تقاتلون ، لم نرجع ، فرجع عنهم ، وسبهم ، وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود ، فأبى ، وسلك حرة بني حارثة وقال : « من رجل يخرج بنا على القوم من كثب » ؟ فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين ، وكان أعمى ، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في
--> ( 1 ) - ابن هشام في السيرة النبوية ( 3 / 43 ) .